فخر الدين الرازي
497
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 55 إلى 56 ] إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 55 ) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ ( 56 ) اعلم أنه تعالى لما وصف كل الكفار بقوله : وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد . فقال : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ أي في حكمه وعلمه من حصلت له صفتان : الصفة الأولى : الكافر الذي يكون مستمراً على كفره مصراً عليه لا يتغير عنه البتة . الصفة الثانية : أن يكون ناقضاً للعهد على الدوام فقوله : الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ بدل من قوله : الَّذِينَ كَفَرُوا أي الذين عاهدت من الذين كفروا وهم شر الدواب وقوله : مِنْهُمْ للتبعيض فإن المعاهدة إنما تكون مع أشرافهم وقوله : ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ قال أهل المعاني إنما عطف المستقبل على الماضي ، لبيان أن من شأنهم نقض العهد مرة بعد مرة . قال ابن عباس : هم قريظة فإنهم نقضوا عهد رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم وأعانوا عليه المشركين بالسلاح في يوم بدر ، ثم قالوا : أخطأنا فعاهدهم مرة أخرى فنقضوه أيضاً يوم الخندق ، وقوله : وَهُمْ لا يَتَّقُونَ معناه أن عادة من رجع إلى عقل وحزم أن يتقي نقض العهد حتى يسكن الناس إلى قوله ويثقوا بكلامه ، فبين تعالى أن من جمع بين الكفر الدائم وبين نقض العهد على هذا الوجه كان شر الدواب . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 57 إلى 58 ] فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 57 ) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ( 58 ) اعلم أنه تعالى تارة يرشد رسوله إلى الرفق واللطف في آيات كثيرة . منها قوله : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] ومنها قوله : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ آل عمران : 159 ] وتارة يرشد إلى التغليظ / والتشديد كما في هذه الآية ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الذين ينقضون عهدهم في كل مرة ، بين ما يجب أن يعاملوا به فقال : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ قال الليث : ثقفنا فلاناً في موضع كذا ، أي أخذناه وظفرنا به ، والتشريد عبارة عن التفريق مع الاضطراب . يقال : شرد يشرد شروداً ، وشرده تشريداً ، فمعنى الآية أنك إن ظفرت في الحرب بهؤلاء الكفار الذين ينقضون العهد فافعل بهم فعلًا يفرق بهم من خلفهم . قال عطاء : تثخن فيهم القتل حتى يخافك غيرهم ، وقيل : نكل بهم تنكيلًا يشرد غيرهم من ناقضي العهد لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي لعل من خلفهم يذكرون ذلك النكال فيمنعهم ذلك عن نقض العهد ، وقرأ ابن مسعود فشرذ بالذال المنقطة من فوق بمعنى ففرق وكأنه مقلوب شذر ، وقرأ أبو حيوة من خلفهم ، والمعنى : فشرد تشريداً متلبساً بهم من خلفهم لأن أحد العسكرين إذا كسروا الثاني ، فالكاسرون يعدون خلف المكسرين فأمر رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم أن يشردهم في ذلك الوقت . وأما قوله : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً يعني من قوم معاهدين خيانة ونكثاً بأمارات ظاهرة فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ فاطرح إليهم العهد على طريق مستو ظاهر ، وذلك أن تظهر لهم نبذ العهد وتخبرهم أخباراً مكشوفاً بينا أنك قطعت ما بينك وبينهم ، ولا تبادرهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد ، فيكون ذلك خيانة منك إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ في العهود وحاصل الكلام في هذه الآية أنه تعالى أمره بنبذ من ينقض العهد على أقبح الوجوه